‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. الفوضى الوظيفية
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

السودان.. الفوضى الوظيفية

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في ديسمبر ٢٠١٨م، لم يكن السوداني الذي خرج إلى الشارع يحمل مشروعًا نظريًا عن الدولة. كان يحمل سؤالًا أبسط: لماذا أصبح الخبز أغلى من قدرتي على شرائه؟

 

بدأت الحكاية من الخبز، لكن الخبز لم يكن هو الحكاية كلها.

كان خلف الرغيف سعر صرف، ودعم، وسوق، ودخل يتآكل، وسياسات اقتصادية لم تعد قادرة على إقناع المواطن بأن الغد سيكون أقل كلفة من اليوم. ثم تحولت المسألة من سؤال عن سعر الرغيف إلى سؤال عن الدولة نفسها، وانتهت البلاد إلى سقوط نظام ظل يحكمها ثلاثة عقود.

 

مرت السنوات، وتغيرت الوجوه، وتبدلت العناوين، ودخل السودان مرحلة انتقالية، ثم أزمات سياسية متلاحقة، ثم حربًا مفتوحة منذ أبريل ٢٠٢٣م.

لكن الغريب أن السؤال القديم عاد.

عاد الخبز ، عاد الغلاء.

عاد سؤال القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية.

وكأن السودان، بعد كل هذه السنوات، لم يغادر تمامًا النقطة التي بدأ منها.

 

لكن هذه المرة، الفارق أن المواطن لا يقف أمام أزمة واحدة؛ إنه يقف أمام منظومة كاملة من الضغوط: سعر الصرف، النقل، الوقود، الغذاء، الدواء، الخدمات، الدخل، وتبدل الأسعار قبل أن يتبدل الراتب.

حتى الدولار الجمركي، ذلك الرقم الذي قد يبدو في دفاتر الدولة مجرد أداة لحساب الرسوم، يتحول في حياة المواطن إلى رقم آخر يمر عبر سلسلة طويلة حتى يصل إلى جيبه. وفي أبريل ٢٠٢٦م مثلًا ارتفع سعره من 2769 إلى 3222 جنيهًا، ثم شهد لاحقًا زيادات أخرى؛ وهي تحركات لا تبقى داخل دفاتر الجمارك، بل تجد طريقها إلى تكلفة الاستيراد والأسواق والأسعار.

وهنا تبدأ المسألة التي تستحق أن نتوقف عندها ، الفوضى ليست فقط أن يحدث الشيء الخطأ؛ أحيانًا تكون أن يصبح الخطأ قابلًا للتكرار.

 

قرار اقتصادي يضغط على السوق، ثم يبحث الناس عن تفسير.

ارتفاع في سعر سلعة، فتتسع الشائعة.

شح في سلعة أساسية، فيبدأ التخزين.

ارتفاع في الدولار، فتتحرك الأسعار قبل أن تصل آثار الزيادة الفعلية إلى السوق.

ثم يأتي الغضب، فتجد النخب السياسية والإعلامية في هذا الغضب مادة جاهزة للتحشيد.

 

وهكذا لا تبقى الأزمة معيشية ، تتحول إلى طاقة سياسية ، وهنا نقترب من معنى «الفوضى الوظيفية».

ليس المقصود أن كل أزمة مصنوعة، ولا أن كل قرار خاطئ وراءه قصد خفي. الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك. المقصود أن الفوضى، عندما تطول، تبدأ في إنتاج وظائف لم تكن موجودة في لحظة نشأتها.

 

المواطن الغاضب بسبب الخبز يمكن أن يصبح جمهورًا سياسيًا.

 

والمواطن الخائف من الغلاء يمكن أن يصبح جمهورًا للتحشيد.

 

والمواطن الذي لا يعرف ماذا سيحدث غدًا يصبح أكثر قابلية لتصديق من يمنحه تفسيرًا سريعًا، حتى لو كان التفسير نفسه جزءًا من المشكلة.

 

وهنا لا تعود الفوضى مجرد حالة اقتصادية أو سياسية ، تصبح بيئة لإدارة المزاج العام ، وهذا ما يجعل ديسمبر ٢٠١٨م مهمًا حتى اليوم.

فالسؤال الذي خرج من الرغيف لم يمت. بل تغيرت حوله الظروف، وتعددت الجهات التي تستطيع استخدامه، وتراكمت فوقه سنوات من الأزمات.

 

كل مرحلة كانت تملك عنوانها.

 

مرة كان الخبز ومرة الوقود ومرة السيولة ومرة سعر الصرف ومرة الدواء ومرة الكهرباء.

واليوم يمكن أن يكون العنوان هو كل ذلك معًا لكن القاسم المشترك ظل واحدًا وهو معاش الناس.

وهنا تقع المفارقة.

كلما تدهور معاش الناس، زادت قابلية الشارع للتحشيد. وكلما زاد التحشيد، اتسعت حالة الاستقطاب. وكلما اتسع الاستقطاب، أصبح الوصول إلى توافق على قواعد مستقرة أصعب. وعندما تغيب القواعد المستقرة، يزداد الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي.

 

ثم تعود الدورة من جديد معاشٌ مضغوط، غضبٌ متصاعد، تحشيدٌ أكبر، فوضى أوسع، ثم معاشٌ أكثر ضغطًا.

هذه ليست دائرة اقتصادية فقط إنها دائرة سياسية واجتماعية أيضًا والأخطر أن بعض النخب قد تتعامل مع هذه الدائرة باعتبارها موردًا سياسيًا؛ لا لأنها صنعت الأزمة من الصفر، وإنما لأنها تعرف كيف تستثمر غضب الناس، وكيف تختار اللحظة، وكيف تحول الألم اليومي إلى خطاب تعبئة، وكيف تجعل المواطن يرى الأزمة من زاوية واحدة فقط.

 

لا يهم هنا من هو الطرف فالوظيفة يمكن أن يؤديها أي طرف عندما تصبح الفوضى بيئة مناسبة للتحشيد.ولهذا فإن أخطر ما في الفوضى الوظيفية أنها لا تحتاج دائمًا إلى غرفة عمليات أحيانًا يكفي ..

أن تستمر المشكلة.

يكفي أن يظل المواطن لا يعرف سعر الغد

أن يظل الموظف لا يعرف قيمة راتبه الحقيقية.

أن يظل التاجر لا يعرف تكلفة الاستيراد القادمة.

أن تظل الأسرة تحسب مصروف الأسبوع وهي لا تعرف إن كان يكفي ثلاثة أيام.

 

في هذه البيئة، لا يحتاج التحشيد إلى صناعة الغضب.

الغضب موجود أصلًا المطلوب فقط أن يأتي من يمنحه اتجاهًا وهنا تصبح الفوضى أخطر من مجرد غياب النظام؛ لأنها تتحول إلى مادة خام.

 

مادة خام للخطاب السياسي، وللشائعة، وللاستقطاب، وللنفوذ، وللاقتصاد الموازي، ولعلاقات جديدة تقوم على «من يستطيع أن يدبر أمره» بدل «كيف تعمل المؤسسة».

 

ولعل أخطر تحول حدث في سنوات الأزمة أن السوداني بدأ يتعلم كيف يعيش داخل الفوضى.

 

وهذا في ظاهره قوة فالناس ابتكروا حلولًا، وتكافلوا، وأنشأوا شبكات مساعدة، وفتحوا طرقًا بديلة، وأداروا حياتهم في أصعب الظروف.

 

لكن هناك وجهًا آخر للصمود حين ينجح المجتمع طويلًا في تعويض غياب المؤسسة، قد تتأخر المؤسسة نفسها في استعادة وظيفتها.

وحين يعتاد المواطن أن يجد طريقه خارج النظام، يصبح إصلاح النظام أكثر صعوبة.

 

وهنا لا يكفي أن تنتهي الحرب.

 

ولا يكفي أن تهدأ الأسواق.

 

ولا يكفي أن يعود الخبز إلى سعر يمكن تحمله.

 

نحن بحاجة إلى كسر الحلقة نفسها.

 

أن يصبح معاش الناس غاية للسياسة لا وقودًا لها.

أن تكون القرارات الاقتصادية قابلة للفهم والتوقع، لا مفاجآت تزيد مساحة الشائعة.

أن يعرف المواطن لماذا ارتفع سعر الدولار الجمركي، وما أثره، وما البديل، وما الذي ستفعله الدولة لتمنع انتقال الكلفة كاملة إلى المستهلك.

أن يشعر الناس أن الدولة تدير الأزمة، لا أن الأزمة هي التي تدير الدولة.

 

فالسودان لا يحتاج فقط إلى إدارة الفوضى يحتاج إلى سحب الوظيفة منها.

 

وهنا ربما تكون معركة ما بعد الحرب أكبر من إعادة بناء ما تهدم إنها إعادة بناء علاقة المواطن بالدولة، وإعادة بناء الثقة في القرار، وإعادة تعريف السياسة باعتبارها طريقًا لحل مشكلة الناس، لا طريقًا لاستثمار مشكلتهم.

 

ديسمبر ٢٠١٨م بدأ بسؤال بسيط عن الخبز واليوم، بعد كل هذه السنوات، يعود السؤال نفسه تقريبًا وهذه المرة ربما ينبغي ألا نسأل فقط:

 

لماذا ما زال الخبز مشكلة؟

 

بل نسأل السؤال الأصعب:

 

ماذا حدث حتى أصبحت مشكلات معاش الناس قابلة لأن تُستخدم مرة بعد مرة في صناعة الغضب والتحشيد؟

 

ربما هنا نفهم «الفوضى الوظيفية».

 

فالفوضى لا تصبح خطيرة عندما تعجز عن إنتاج النظام فقط؛

 

بل عندما تبدأ في إنتاج أشياء أخرى.

 

تنتج غضبًا.

 

وتنتج خوفًا.

 

وتنتج استقطابًا.

 

وتنتج مصالح.

 

وتنتج نخبًا تعرف كيف تعيش عليها.

 

ثم، في النهاية، تنتج مواطنًا يتعلم أن الفوضى قدر وهنا تحديدًا يجب أن نقاومها.

ليس فقط لأننا نريد سودانًا بلا فوضى، وإنما لأننا نريد سودانًا لا يجد أحدٌ في فوضاه وظيفة.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

تعقيب من قارئ

من قارئ كريم تلقينا تعقيبا على تغريدتتا بالامس بشان التطبيق ، على صدى كلماته مادت الأرض تح…