نساء السودان.. صياغة جديدة لقرار الدولة
أجيال النيل د. سهام موسى

لم تكن الصورة التي جمعت بين محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، والمديرة التنفيذية لبنك الخرطوم، ليمياء كمال ساتي، مجرد لقطة بروتوكولية عابرة في جدول أعمالٍ مزدحم؛ بل كانت بياناً بصرياً قوياً أعلن للعالم أن وجه الاقتصاد السوداني اليوم هو وجهٌ أنثوي بامتياز. هذه الصورة التي أشعلت منصات التواصل الاجتماعي لم تكتسب زخمها من بريق المنصب فحسب، بل من الرمزية العميقة التي تحملها في توقيتٍ استثنائي يمر به السودان، حيث يُعاد تشكيل ملامح الدولة والمجتمع وسط تحديات وجودية.
لسنوات طويلة، ظل القطاع المصرفي والمالي في السودان يُدار بعقلية ذكورية تقليدية، حيث كانت المواقع القيادية العليا تُعتبر “حكراً” على الرجال، تحت ذريعة تعقيد الملفات الاقتصادية وحساسيتها الأمنية والسياسية. إلا أن ظهور آمنة ميرغني وليماء ساتي في قمة الهرم المالي — واحدة تقود البنك المركزي الذي يرسم السياسات النقدية للدولة، والأخرى تدير أكبر المؤسسات المصرفية العريقة في البلاد — يمثل انكساراً نهائياً لما يُعرف بـ “السقف الزجاجي”.
إن وجود المرأة في هذه المواقع ليس “تمثيلاً شكلياً” أو استجابة لضغوط الأجندات الدولية المعنية بالجندر، بل هو انتزاع مستحق لمكانة فُرضت بالكفاءة المهنية الصرفة. نحن أمام جيل من النساء السودانيات اللواتي لم يكتفين بالمشاركة، بل تصدرن المشهد لإدارة الأزمات المالية المعقدة، ومواجهة تداعيات التضخم، وضبط إيقاع العملة الوطنية، وهي مهام تتطلب رباطة جأش وخبرة تقنية عالية.
تداول هذه الصورة على نطاق واسع يحمل في طياته “عطشاً” شعبياً لرؤية قيادات تتسم بالنزاهة والقدرة على التغيير. يرى الكثيرون في قيادة المرأة للقطاع المالي فرصة لتقديم نموذج إداري يجمع بين الحزم في تطبيق القانون والمرونة في فهم الاحتياجات المجتمعية، في مجال الاستقرار المالي، يُنظر للمرأة غالباً كعنصر استقرار في إدارة الموارد، وفي بلد يعاني من هزات اقتصادية، تصبح قيادة آمنة وليمياء رسالة طمأنة الأسواق وللمواطن البسيط على حد سواء، بالاضافة الى الاحترافية بعيداً عن التجاذبات: تمثل هذه الشخصيات نمطاً إدارياً يعتمد على الأرقام والنتائج، بعيداً عن صراعات النفوذ التقليدية التي استنزفت المؤسسات السودانية لعقود.
إن التفاعل الإيجابي من قبل آلاف المستخدمين، وخاصة الشباب، مع هذه الصورة يعكس تحولاً جذرياً في العقلية الجمعية السودانية. لم يعد المجتمع يرى في المرأة مجرد “مشارك” في الثورة أو “عامل” في المؤسسة، بل أصبح يتقبل ويحتفي بها كـ “صانع قرار أول”. هذا الاعتراف الشعبي بـ “القيادة النسائية” في أخطر قطاع (المال) هو بمثابة إعلان وفاة للمفاهيم النمطية التي حاولت لسنوات تهميش دور المرأة وحصرها في قطاعات خدمية معينة والتعليم والصحة.
بصفتي امرأة سودانية، أرى أن الاحتفاء بهذه الصورة لا ينبغي أن يتوقف عند حد “الإعجاب” الإلكتروني. إن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا “الترند” إلى نهج مؤسسي مستدام. نحن لا نريد لآمنة وليماء أن تكونا “الاستثناء الجميل”، بل نريدهما أن تكونا “القاعدة العامة” في سودان المستقبل.
إن نجاح هاتين السيدتين في إدارة دفة الاقتصاد خلال هذه المرحلة الحرجة هو أكبر رد على كل المشككين في قدرات المرأة السودانية. إنهما لا تديران بنوكاً فحسب، بل تضعان لبنات الثقة في قدرة السودان على التعافي من خلال كفاءات وطنية لم تُمنح الفرصة الكاملة من قبل.
ختاماً، إن الصورة التي تصدرت الترند هي أكثر من مجرد “لقاء قمة”؛ هي وثيقة عهد لمستقبل لا يُستبعد فيه أحد، ومؤشر على أن اقتصاد السودان، رغم جراحه، يقع اليوم في أيدٍ أمينة، قوية، وقادرة على صياغة فصل جديد من تاريخنا الوطني.
عدوي يشيد باتحاد شباب العرب للإبداع والابتكار
اشاد الأمين العام لاتحاد شباب العرب للإبداع والابتكار الدكتور ماجد الإسي بدور السودان في ت…





