التصنيف… تمهيداً للتفصيل
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست أخطر القرارات في السياسة الدولية تلك التي تُعلن بصوتٍ مرتفع…
بل تلك التي تبدو في ظاهرها إجراءً إدارياً عادياً،
بينما تخفي في باطنها بداية إعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية للدول.
فالسياسة – كما يخبرنا التاريخ – لا تبدأ دائماً بالهدم الكبير،
بل غالباً ما تبدأ بعملية تصنيف.
والتصنيف في عالم الجغرافيا السياسية ليس مجرد توصيف قانوني،
بل أداة لإعادة ترتيب الفاعلين داخل الدولة:
من هو المقبول،
ومن هو المرفوض،
ومن يجب عزله،
ومن يجب تفكيكه.
وفي هذا السياق، أشرنا في مقالنا السابق إلى خطوة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية،
في مقابل تغافلٍ متعمد عن تصنيف قوات الدعم السريع،
وهو أمر قد يبدو للبعض مجرد مفارقة سياسية…
لكنه في الحقيقة إشارة مبكرة إلى مسارٍ أكبر يجري التحضير له.
لكن ما يعنينا هنا ليس التصنيف نفسه.
بل ما يأتي بعد التصنيف.
فالتاريخ السياسي يعلمنا أن التصنيف غالباً ما يكون المرحلة الأولى من عملية التفصيل والتقسيم.
تبدأ العملية عادةً بإطلاق وصفٍ عام،
ثم يتحول هذا الوصف مع الوقت إلى سلسلة من الإجراءات:
قوائم…
عزل سياسي…
تجفيف موارد…
إعادة هندسة للمشهد العام.
وبذلك تتحول الفكرة من قرار قانوني
إلى هندسة سياسية كاملة للمجال العام.
وإذا تأملنا المشهد السوداني اليوم، سنجد أننا أمام لحظة دقيقة للغاية.
فالسودان يعيش حرباً مفتوحة منذ أبريل 2023،
لكن الحرب العسكرية ليست سوى الطبقة الأولى من الصراع.
أما الطبقة الأعمق فهي حرب إعادة تشكيل المجال السياسي السوداني.
وفي هذه الحرب لا تُستخدم الدبابات فقط…
بل تُستخدم كذلك المفاهيم والتصنيفات والسرديات.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا تم التصنيف؟
بل:
لماذا تم هذا التصنيف الآن… وبالطريقة التي تم بها؟
هنا يظهر المشهد الجيوسياسي الأوسع.
فالعالم بعد الحروب الكبرى لا يكتفي بإنهاء المعارك،
بل يسعى دائماً إلى إعادة ترتيب القوى داخل الدول التي شهدت الصراع.
وهذه القاعدة تكررت في أماكن عديدة من العالم:
في البلقان بعد حروب التسعينيات،
وفي الشرق الأوسط بعد موجات الربيع العربي،
وفي إفريقيا بعد النزاعات الطويلة.
المنهج نفسه يتكرر دائماً:
تبدأ العملية بـ تصنيفٍ سياسي أو أمني،
ثم تتوسع تدريجياً لتصبح عملية تفكيك وإعادة تركيب للمشهد الوطني.
وهنا تكمن الخطورة في الحالة السودانية.
فإذا كان التصنيف هو البداية،
فإن ما قد يأتي بعده هو سلسلة من التفصيل والتقسيم
الذي قد يعيد تعريف من هو الفاعل السياسي المشروع…
ومن هو الخارج عن المشهد.
وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة ليست مجرد نقاش حول جماعة أو تنظيم،
بل نقاشاً حول مستقبل المجال السياسي في السودان كله.
لأن الدول التي تدخل مرحلة التصنيفات السياسية الحادة
تدخل غالباً مرحلة جديدة من الصراع…
لكن هذه المرة ليس بالسلاح فقط،
بل بإعادة تعريف الخريطة السياسية والاجتماعية للدولة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه السودانيون اليوم ليس:
هل مع التصنيف أم ضده؟
بل السؤال الأعمق هو:
هل ندرك أن التصنيف قد يكون مجرد الفصل الأول…
في قصة أكبر عنوانها إعادة تشكيل السودان؟
فالتاريخ يعلمنا درساً بسيطاً لكنه قاسٍ:
الدول لا تتغير دفعة واحدة…
بل تتغير خطوةً بعد خطوة،
وغالباً ما تبدأ القصة بكلمة واحدة:
تصنيف.
وهنا #أصل_القضية
قرار أمريكي يثير الجدل..تصنيف الإخوان في السودان إرهابيين وتجاهل جرائم المليشيا
د. شمينا: تصنيف الإخوان محاولة أمريكية لصرف الأنظار عن أزماتها وتجاهل جرائم المليشيا  …





