نقطة إرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب:الحرب كشفت النفوس قبل أن تقتل الأجساد

في زمن الحرب، لا تُقاس الخسائر بعدد القتلى والنازحين ، بل بما تتركه من ندوب في النفوس، وما تكشفه من حقائق كانت مخفية خلف ستار الحياة اليومية.السودان اليوم لا ينزف من جراح المعارك فحسب، بل من انهيار الثقة، من تبدّل الأخلاق، ومن تحوّل الإنسان إلى كائن يبحث عن النجاة بأي ثمن لو كان الثمن هو الآخر. فهل الحرب غيّرت النفوس؟ أم أنها فقط أزالت الأقنعة؟
في البداية، سادت مشاعر التضامن، وظهرت صور مشرقة من التكافل، لكن سرعان ما بدأت الملامح تتبدل.الخوف والقلق من المجهول دفع البعض إلى سلوكيات لم تكن مألوفة، وبدأت تظهر تصرفات تنم عن أنانية، خيانة، وانهيار في منظومة القيم. لم تكن هذه التحولات وليدة الحرب وحدها، بل كانت كامنة في النفوس، تنتظر لحظة الانفجار لتخرج إلى السطح.
السودانيون، الذين لطالما عُرفوا بالكرم والشهامة، وجدوا أنفسهم في اختبار قاسٍ. البعض اجتازه بشرف، والبعض الآخر سقط في فخ الغريزة. الحرب لم تغيّر الجميع، لكنها كشفت الكثير. من كان يحمل الخير، أظهره في أصعب اللحظات، ومن كان يخفي الشر، أطلقه بلا تردد. وبين هؤلاء وأولئك، وقف شعب يتألم، يتساءل، ويحاول أن يفهم: هل ما زلنا نحن؟ هل ما زالت القيم التي تربينا عليها قادرة على الصمود أمام هذا الطوفان؟
الدمار الذي خلّفته الحرب لم يكن فقط في المباني، بل في النفوس.العلاقات الاجتماعية تصدعت، الثقة تآكلت، والقلوب باتت أكثر حذراً وأقل دفئاً. ومع ذلك، لا يزال هناك من يتمسك بالأمل، من يؤمن أن الخير لا يموت، وأن الإنسان يمكن أن ينهض من تحت الركام، ليس بجسده، بل بروحه .
السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إعمار، بل إلى إعادة ترميم للضمير الجمعي، إلى مراجعة عميقة لما حدث داخل الإنسان السوداني أثناء الحرب. فالمعركة الحقيقية لم تكن على الأرض، بل في داخل كل فرد، بين ما يؤمن به وما اضطر أن يفعله. وبين ما كان يخفيه وما أصبح يعلنه.
ربما تكون الحرب قد قتلت أجساداً كثيرة، لكنها قبل ذلك، كشفت نفوساً أكثر. وهذا هو الجرح الذي لا يُرى، لكنه الأكثر إيلاماً.حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.
meehad74@gmail.com
فكة ريق الضيف عيسي عليو لُحمة الشعب السوداني و رتق النسيج الإجتماعي
aldifaliu1961@gmail.com مناشدة لسيادة رئيس مجلس السيادة و القائد العام للقوات المسلحة السو…