قريب الله العوض يكتب ليلة المولد يا سر الليالي”: النشيد الكوني الذي حوّل الفرح إلى مقاومة روحية

في قلب الصحراء السودانية، حيث يصحو الروح على أنغام الدموع والفرح، كتب محمد المهدي المجذوب قصيدته الخالدة “ليلة المولد يا سر الليالي”، لا ككلمات تنظم في أبيات، بل كنشيد كوني يُرتّل من أعماق الوجدان الصوفي. إنها ليست مجرد مديح نبوي تقليدي، بل هي رحلة فلسفية شاعرية تبحث عن النور في مواجهة الدياجي، وعن المعنى في قلب الوجود، وعن الفرح كفعل مقاومة روحي.
تبدأ القصيدة بنداءٍ غامض يخترق حجب الزمن العادي: “ليلة المولد يا سر الليالي”. من اللحظة الأولى، يضعنا المجذوب أمام مفارقة جمالية وفلسفية عميقة. فالليل، في المخيال الإنساني الجامع، هو زمن الظلام والخفاء والسكينة، لكن الشاعر يختار ليلةً منه ليمنحها صفة “السِّر”. هذا ليس تشخيصاً بلاغياً فحسب، بل هو تأسيس لمنظور فلسفي كامل. إنها الإشارة إلى أن في قلب الظلام، الذي يمثل الجهل والغياب والموت الرمزي، تُولد أعظم أنوار الهداية، التي تجسد المعرفة والوجود والحياة المعنوية. الليلة هي “سر” لأنها تحمل في طياتها لغز الخلاص، والانزياح من العدم إلى الوجود، ومن العبث إلى المعنى. إنها تذكير فلسفي بأن النور لا يُقدّر قيمته إلا من كان في الظلام، وأن الأمل لا يولد إلا في أحضان اليأس.
ثم تمتد القصيدة لترسم لنا لوحة كونية حركية لا تحدث في مكان محدد، بل في الوجود كله: “جئت والنور في الدياجي ساطع”. الصورة هنا لا تُقرأ على حرفيتها، بل هي استعارة مكنية لعملية الخلق والإنقاذ المتجددة. “جئت” هي فعل قدوم النبي، الذي هو تجسيد للرحمة الإلهية للعالمين. لكن هذا الفعل يتكرر رمزياً في كل عام، وفي كل قلب يتذكر هذه الذكرى. إنها فلسفة الزمن الدائري المقدس، حيث لا يمر الحدث العظيم مرة وينتهي، بل يعود كذكرى حية تتجدد بمعناها لا بوقتها. الذكرى هنا هي إعادة خلق للمعنى، وإحياء لذلك النور الذي لا ينطفئ. “الدياجي” هي ظلاميات النفس والواقع، و”ساطع” هو فعل النور الذي لا يقهر، وهو صورة للوعي الذي ينتصر على الجهل.
لا يقف فرح المجذوب عند كونه فرحاً فردياً، بل هو فرحٌ كوني وجودي: “والمسرة والهنا والفرح العميم”. الكلمات هنا ليست مترادفات، بل هي طبقات متعاقبة من الشعور. “المسرة” هي البهجة العابرة، و”الهنا” هو الرضا والسكينة، أما “الفرح العميم” فهو النشوة الوجودية التي تغمر الكائن وتذوبه في مصدر فرحه. هذا هو التجلي الصوفي الذي يتحدث عنه المتصوفة، حيث يذوب العبد في محبوبه. الفرح “العميم” هو الذي يعم الوجود كله، من الجماد إلى النبات إلى الحيوان إلى الإنسان، لأنه فرح بعودة المعنى إلى العالم، وبعودة النبض للحياة.
ثم تأتي ذروة البعد الجمالي والفلسفي في تصوير ليلة المولد كـ “عروس”. العروس هي مركز الكون في يومها، هي النقطة التي تدور حولها كل الطقوس، وهي رمز للجمال، للطهر، للبداية الجديدة، للخصوبة المعنوية. بمنح الليلة هذه الصفة، يحولها المجذوب من ذكرى تاريخية إلى كائن حي حاضر، تستقبله الأرواح المتعطشة كما يستقبل العاشقان عروسهما. هذا استحضارٌ سحريٌ للزمن المقدس داخل الزمن العادي. إنه يقول لنا: إنكم لا تحييون ذكرى، بل تستقبلون ضيفاً عزيزاً يزوركم كل عام ليجدد فيكم العهد، ويغسل أتربة الدنيا عن قلوبكم.
وفي البعد العاطفي، يختار الشاعر كلمة “أهواك” التي تحمل كل شحنات الحب البشري العذري ليعبر بها عن حبه لليلة المولد. هذا الانزياح الدلالي مقصود، فهو يرفع الحب الأرضي إلى مستوى الحب السماوي، ويجعل من الحب الإلهي أعمق وأشمل وأطهر من كل المشاعر الدنيوية. الحب هنا هو القوة الجاذبة التي تجذب الروح إلى مصدرها، وهو الوقود الذي يحركها في رحلتها الصوفية للاتحاد.
أخيراً، فإن اللغة التي يستخدمها المجذوب هي لغة بسيطة في مفرداتها لكنها مكثفة إلى أقصى درجة في دلالاتها. إنه الاقتصاد اللغوي للصوفي الذي يدرك أن الجوهر لا يُقال بل يُشار إليه. كلمات مثل “سر”، “نور”، “طهر”، “فرح” هي كلمات مفتاحية تحفر في أعماق النفس لأنها تلامس النماذج الأولية والأساسية في اللاوعي الجمعي للإنسان. إنها لغة الطقوس والاحتفالات التي توحد الجماعة حول معنى مشترك، وتذيب الفرد في بوتقة الجماعة المتعالقة روحياً.
وهكذا، تتحول قصيدة المجذوب من نشيد ديني إلى بيان فلسفي وجودي. إنها تطرح رؤية للعالم قائمة على الفرح كاختيار، وعلى النور كمسار، وعلى الحب كغاية. إنها تصور الوجود ليس كمكان للصراع والعبث، بل كمهرجان نوراني دائم، تدق طبوله كل عام في ليلة هي “سر الليالي”، تذكيرٌ لنا بأن الظلام مهما طال، فإن النور الآتي من الماضي المقدس قادر على إنارة حاضرنا ومستقبلنا، وأن الفرح هو أقوى أنواع المقاومة للقبح واليأس.
[٢٨/٨، ٩:٠١ م] +249 12 761 7584: قريب الله العوض يكتب ✍️
نداء الى السيد القائد عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وإلى مجلسه الموقر :-
بقلوب مليئة بالأمل والتضرع نوجه خطابنا هذا إليكم، ونحن على ثقة كاملة بأن صوت الإنسانية لن يغيب عن مسامعكم، وأن ضمير الدين والوطن سيظل المرشد الأول لكم في كل خطوة. إن معاناة الأسرى والمعتقلين في سجون الدعم السريع قد بلغت حداً لا يُطاق، فهم يعيشون في ظروف مهينة حيث يموت الكثيرون جراء الجوع والمرض والتعذيب في صمتٍ يصرخ بوجه الإنسانية .
هؤلاء الأسرى ليسوا مجرد أرقام أو أسماء إنهم أبناء السودان الأبرار، وجزء لا يتجزأ من نسيج قواتنا المسلحة الباسلة، الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن. إنهم أبطال تقطعت بهم السبل في غياهب السجون، يعانون من نقص الطعام والماء والرعاية الطبية، و يتعرضون لأبشع أنواع الانتهاكات .
إننا ندرك تماماً التحديات التي تواجهها الدولة في هذه الظروف الدقيقة، ولكننا على يقين بأن قضية الأسرى تحتاج إلى تحرك عاجل وحاسم، حتى لو كان ذلك من خلال عملية تبادل الأسرى التي قد تكون السبيل الوحيد لإنقاذ أرواحهم . لقد حان الوقت لرفع الصوت عالياً ضد هذه المأساة الإنسانية، التي لا تليق بشعبنا العظيم ولا بدولتنا الأبية.
فكة ريق الضيف عيسي عليو لُحمة الشعب السوداني و رتق النسيج الإجتماعي
aldifaliu1961@gmail.com مناشدة لسيادة رئيس مجلس السيادة و القائد العام للقوات المسلحة السو…