‫الرئيسية‬ مقالات أصل القضية  من سلسلة الجسر والمورد حين تُصبح الدولة مرآةً للشعب لا ساحةً للغنيمة محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات
مقالات - ‫‫‫‏‫13 ساعة مضت‬

أصل القضية  من سلسلة الجسر والمورد حين تُصبح الدولة مرآةً للشعب لا ساحةً للغنيمة محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات

 ليس أخطر على وطنٍ من أن يرى نفسه بعين الآخرين، وليس أنبل من أن يكتب سيرته بيده. والسودان اليوم أمام امتحان وجودي: إما أن يكون وطنًا يستعيد ذاته، أو مساحةً تُنهشها الميليشيا وتقتسمها الأجندات.

السودان: بلد الإمكانات لا الأعذار

من يقرأ تاريخ السودان يكتشف أن هذا البلد لم يكن يومًا فقيرًا، بل كان غنيًا بما لا يُحصى من موارد، ولكن الأزمات لم تأتِ من شحّ الإمكانات، وإنما من غياب الإدارة والإرادة.

أقولها بوضوح: السودان لا يحتاج إلى معجزة سماوية، بل إلى إدارة راشدة وإرادة وطنية تؤمن بشبابها . وما التجربة إلا خير شاهد. في العام ٢٠٠٤م، حين قدّمنا بحث التخرج عن نظام البوت BOT كبديل للخصخصة – دراسة حالة هيئة سكك حديد السودان – كان الهدف أن نثبت أن المؤسسات لا تموت إذا أُحسن إدارتها. نال البحث جائزة أفضل بحث تخرج، وكرّمنا وقتها د. صابر محمد الحسن، محافظ بنك السودان.

واليوم، بعد واحدٍ وعشرين عامًا، تعود هيئة السكة الحديد لتعلن عن رغبتها في التطوير بذات النظام الذي بشّرنا به. أليس هذا برهانًا قاطعًا على أن الفكر الوطني الشبابي سبق الواقع، لكن الإدارة غابت؟

تشخيص اللحظة السودانية:

●دولة غائبة: السيادة مبعثرة، السلاح مشرذم، والمواطن بين مطرقة الحرب وسندان الحاجة.

●اقتصاد منهوب: مورد يُدار كغنيمة حرب، لا كحق سيادي. الذهب يخرج بلا حساب، الزراعة تُترك رهينة المطر، والموانئ تُساوم عليها الدول.

●مجتمع متماسك رغم الجراح: شعب يقتسم لقمة الخبز في أزمنة النزوح، ويحوّل الكارثة إلى فرصة للبقاء.

هذه المفارقة المذهلة – أن ينهار سقف الدولة بينما يظل نسيج المجتمع متماسكًا – هي جوهر القضية.

رؤية الجسر والمورد:

■الجسر: أن نربط بين طاقة الثورة وحكمة المؤسسة. أن نخرج من الانفعال إلى المؤسسية، ومن ردّ الفعل إلى بناء الدولة. الجسر يعني أن تُصبح الدولة بيتًا آمنًا لا مجرد سلطة عابرة.

■المورد: أن ننتقل من عقلية الغنيمة إلى عقلية السيادة. أن يتحوّل الذهب والماشية والزراعة إلى ثروة وطنية تُدار بشفافية، وتُصان في صندوق سيادي يضع السودان في مصاف الدول القادرة لا التابعة.

مجلس الوزراء… والعقل الاستراتيجي:

من هنا، لا بد أن ندق جرس التنبيه واضحًا: إنّ مجلس الوزراء لن ينجح في مواجهة التحديات ما لم يجعل من المراكز البحثية والدراسات الإنمائية عقل الدولة الاستراتيجي. الأفكار ليست ترفًا، بل هي خط الدفاع الأول عن السيادة. وما رؤية الجسر والمورد إلا خلاصة هذا الوعي، نضعها خالصةً بين أيدي صانعي القرار، لا بحثًا في الرفوف بل خارطة طريق لبناء دولة.

الجسر والمورد: من التشخيص إلى الحلول

١. توحيد السلاح: لا سيادة بلا جيش واحد، ولا دولة بلا مؤسسات أمنية موحدة.

٢. اقتصاد وطني: وقف اقتصاد الحرب، ردّ الموارد إلى خزينة الدولة، وإطلاق صندوق سيادي شفاف.

٣. خدمات عاجلة: كهرباء، مياه، نقل، ومدارس لإعادة الثقة بين المواطن والدولة.

٤. تمكين المنتجين: دعم المزارعين والصنّاع، لأن نهضة السودان تبدأ من الأرض لا من الاستيراد.

٥. ميثاق مواطنة: دستور يجرّم الميليشيا والانقلابات، ويكفل الحقوق لكل مواطن بلا تمييز.

٦. إصلاح الإعلام: تحويل المنابر إلى صوت وعي جامع، لا أداة لتمزيق الذاكرة الوطنية.

٧. دبلوماسية المورد: أن نفاوض من موقع السيادة لا من موقع الحاجة، وأن نحوّل موقع السودان إلى منصة قوة، لا ساحة تنافس الآخرين.

أصل القضية : النداء إلى من يملكون القرار وإلى من يعيشون الواقع

أيها السادة صُنّاع القرار… وإلى عموم المواطنين في قراكم ومدنكم:

إنّ السودان لا يُختزل في حربٍ عابرة ولا في أزمة عارضة. هذا وطن يملك ما لا تملكه أمم كثيرة: أرضٌ كالسند، شعبٌ كالنخيل، موارد كالنهر. لكن كل ذلك بلا إدارة يذوب، وبلا إرادة يضيع.

 الثورة لا تكون ثورة إلا إذا صارت دولة، وأن الدولة لا تكون دولة إلا إذا صارت مورد كرامة، لا مورد حرب. وبينهما يقوم الجسر والمورد: مشروع عبور السودان من التيه إلى النهضة.

‫شاهد أيضًا‬

المشروع الوطني لإصلاح وإعمار النسيج المجتمعي ينعي والدة أحمد الزبير محجوب

  بسم الله الرحمن الرحيم   هيئة علماء السودان   المشروع الوطني لإصلاح وإعما…