‫الرئيسية‬ مقالات حين ترتدّ الفوضى(2)… هل تطال النيران أبواب الجارة إثيوبيا؟
مقالات - ‫‫‫‏‫5 أيام مضت‬

حين ترتدّ الفوضى(2)… هل تطال النيران أبواب الجارة إثيوبيا؟

د. ميمونة سعيد آدم أبو رقاب

حين ترتدّ الفوضى(2)… هل تطال النيران أبواب الجارة إثيوبيا؟

تناولتُ بالأمس هذا العنوان من زاوية ما يجري على أرض الجارة الغربية تشاد، واليوم أوجّه البوصلة شرقًا نحو إثيوبيا، الجارة الأخرى التي لم تعد بعيدة عن لهيب الفوضى، بل أصبحت في قلبه. فالمعارك الطاحنة بين الجيش الإثيوبي وقوات إقليم تغراي، وما تفرّع عنها من اضطرابات سياسية وأمنية، تطرح سؤالًا ملحًّا: هل انقلب السحر على الساحر؟ وهل بدأت الفوضى التي أُديرت خارج الحدود ترتدّ إلى الداخل، مهدِّدة استقرار الدولة وشرعيتها؟

إثيوبيا، التي طالما قُدّمت بوصفها قوة إقليمية صاعدة في القرن الإفريقي، تجد نفسها اليوم غارقة في صراع داخلي متجذر ومعقّد يخمد ثم يشتعل، تجاوز كونه تمرّدًا مسلحًا إلى أزمة بنيوية تمسّ تماسك الدولة نفسها. فالحرب مع تغراي لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية، بل كشفت عن هشاشة التوازنات الإثنية والسياسية، وعن فشل مشروع الدولة في استيعاب التنوع ضمن عقد وطني جامع. ومع امتداد النزاع وتعدّد أطرافه، سوف تصبح الأرض الإثيوبية مسرحًا مفتوحًا لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

وفي ماضي الأيام، لم يكن السودان يومًا مصدر تهديد لإثيوبيا، بل على العكس، امتدت أيادي السودانيين بالخير والدعم، في محطات تاريخية كثيرة، سياسيًا وإنسانيًا. غير أن المشهد تبدّل بصورة دراماتيكية عقب اندلاع حرب أبريل في السودان، حيث تحوّلت بعض المناطق الإثيوبية إلى شريان إمداد للتمرد، سواء عبر التسليح أو الإيواء أو التسهيل اللوجستي. ظنّ القائمون على هذه السياسات أن النار يمكن ايقادها داخل حدود الجار، وأن الفوضى أداة يمكن توظيفها دون أن ترتدّ على صانعيها.

لكن التجارب، قديمها وحديثها، تثبت أن التمرد لا يعرف مبادئ ولا يعترف بالحدود. فمن يفتح له الباب اليوم، سيجد نفسه غدًا محاصرًا به داخل داره. التفلتات الأمنية، وانتشار السلاح، وتطبيع العنف كوسيلة لتحقيق المكاسب السياسية، كلها عناصر لا تلبث أن تنقلب على الجميع. وما جرى رفده في السودان من فوضى وتمرد، ليس إلا بذورًا تُزرع اليوم لتُحصد غدًا على غيره.

إن أخطر ما تواجهه إثيوبيا اليوم ليس فقط تمرّد تغراي، بل تآكل هيبة الدولة وتراجع شرعيتها في نظر مواطنيها. تفقد تدريجيًا قدرتها على البقاء ككيان موحّد. ومع اتساع رقعة النزاع، يصبح خطر الانهيار الشامل احتمالًا قائمًا، لا مجرّد سيناريو نظري.

ألم يكن الأجدر بدول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، أن تعتمد استراتيجية أمنية إقليمية تقوم على احترام سيادة الدول وعدم تغذية الصراعات الداخلية؟ ألم يكن من الأفضل العمل على منع الانهيار بدلًا عن الاستثمار فيه، وعلى تحصين شرعية الدول بدلًا عن تقويضها؟ إن أمن الإقليم كلٌّ لا يتجزأ، وأي خلل في دولة ما سرعان ما يمتد إلى جيرانها، خاصة في فضاء هشّ كالقرن الإفريقي.

اليوم، والنيران تقترب من أبواب الجميع، لم يعد هناك متسع للرهان على الفوضى. فليتدارك البقية ما بدأت شرارته تستعر، قبل أن تتحول إلى حريق شامل لا يُبقي ولا يذر. فالتاريخ لا يرحم من أشعل النار ثم ظنّ أنه في مأمن من لهيبها.

‫شاهد أيضًا‬

تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور

كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…