‫الرئيسية‬ مقالات السودان… من يملك الانتباه يملك التأثير
مقالات - ‫‫‫‏‫53 دقيقة مضت‬

السودان… من يملك الانتباه يملك التأثير

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في كل صباح…

يفتح ملايين السودانيين هواتفهم قبل أن يفتحوا نوافذ بيوتهم.

لا يبحثون عن خبر بعينه…

ولا عن معلومة محددة…

بل يتركون أصابعهم تقودهم بين عشرات المقاطع والصور والعناوين.

وخلال دقائق قليلة…

يكون أحدهم قد ضحك.

وغضب.

وتعاطف.

وخاف.

وربما غيّر رأيًا كان يظنه ثابتًا.

دون أن يلاحظ أن أحدًا لم يناقشه…

ولم يجادله…

ولم يقنعه.

لقد حدث شيء أخطر من ذلك.

لقد نجح أحدهم أولًا…

في الاستيلاء على انتباهه.

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

أولًا… أخطر معركة لا نراها

كثيرون يظنون أن الصراع الحقيقي يدور حول الأفكار.

لكن الأفكار لا تتصارع أولًا.

الذي يتصارع أولًا…

هو الانتباه.

فالفكرة التي لا تصل…

لا تستطيع أن تؤثر.

والحقيقة التي لا تُرى…

تكاد تكون، في المجال العام، كأنها لم توجد.

ولهذا لم تعد القوة تُقاس فقط بمن يملك المال…

أو السلاح…

أو المنصب…

بل بمن يستطيع أن يجعل الناس ينظرون إلى حيث يريد.

فمن يملك الانتباه…

يملك البوابة التي تدخل منها كل الأفكار.

ثانيًا… الاقتصاد الجديد ليس اقتصاد المال وحده

كنا نظن أن المورد الأغلى هو النفط.

ثم قيل إن البيانات هي المورد الجديد.

لكن الزمن أثبت أن هناك موردًا أصبح أكثر ندرة من الاثنين معًا.

إنه…

الانتباه.

فالإنسان يستطيع أن يعوض المال.

ويستطيع أن يسترجع الوقت.

لكن الدقيقة التي سُرق فيها انتباهه…

لا يستطيع استعادتها أبدًا.

ولهذا تتنافس المنصات.

والقنوات.

والسياسيون.

والمؤثرون.

لا على إقناعك أولًا…

بل على خطف انتباهك.

فإذا ربحوه…

بدأت بقية المعركة.

ثالثًا… السودان… حين أصبح الانتباه موردًا للصراع

في السودان، منذ سنوات، لم تكن الحرب على الأرض وحدها.

كانت هناك حرب أخرى…

أقل ضجيجًا…

وأشد أثرًا.

حرب على ما يجب أن يراه الناس.

وما يجب أن يغفلوا عنه.

ولهذا كانت بعض الوقائع تختفي…

ليس لأنها غير مهمة…

بل لأن شيئًا آخر كان أكثر قدرة على جذب الانتباه.

فقد تتحول حادثة فردية إلى حديث البلاد كلها…

بينما تمر قضايا استراتيجية تمس مستقبل الدولة دون أن يلتفت إليها أحد.

وليس لأن الناس لا يهتمون بالمستقبل…

بل لأن المستقبل لا يصرخ.

أما اللحظة…

فتجيد الصراخ.

رابعًا… لماذا ينتصر المثير على المهم؟

لأن الدماغ البشري لم يُخلق ليتتبع الأهم دائمًا…

بل ليلتفت أولًا إلى الأكثر إثارة.

ولهذا تجذبنا المفاجأة.

والخوف.

والفضيحة.

والصراع.

أكثر مما يجذبنا التحليل الهادئ.

ومن هنا نفهم لماذا تنتشر الشائعة أسرع من التصحيح.

ولماذا يسبق المقطع القصير الدراسة الطويلة.

ولماذا يكسب الانفعال سباقًا يخسره العقل في كثير من الأحيان.

المشكلة إذًا…

ليست في ضعف الحقيقة.

بل في أنها غالبًا…

أقل ضجيجًا.

خامسًا… من يحدد ما نفكر فيه؟

هناك سؤال يبدو بسيطًا…

لكنه من أخطر أسئلة المجال العام.

هل نفكر فعلًا فيما اخترناه نحن؟

أم فيما نجح الآخرون في لفت انتباهنا إليه؟

فالناس يظنون أنهم أحرار في اختياراتهم.

لكن كثيرًا من اختياراتنا…

تبدأ قبل أن نختار.

تبدأ عندما ينجح أحدهم في أن يجعل موضوعًا معينًا يحتل مساحة وعينا…

ويطرد منها موضوعات أخرى.

وحينها…

لا يعود التأثير في الإجابة…

بل في السؤال نفسه.

لأن من يختار الأسئلة…

يقترب كثيرًا من اختيار الإجابات.

سادسًا… أخطر أشكال التأثير

ليس أن يجبرك أحد على رأي.

بل أن يجعلك لا ترى غيره.

فحين يُحتكر الانتباه…

تضيق زاوية الرؤية.

وحين تضيق زاوية الرؤية…

يبدو الجزء وكأنه كل الحقيقة.

وهكذا لا يصبح التضليل قائمًا على الكذب فقط…

بل أحيانًا على الانتقاء.

وعلى ما يُعرض…

وما يُخفى.

وعلى ما يتكرر…

حتى يبدو طبيعيًا.

سابعًا… استعادة الانتباه… بداية استعادة الوعي

ولذلك فإن معركة الوعي في السودان ليست معركة معلومات فقط.

بل معركة إدارة الانتباه.

لأن المجتمع الذي لا يختار ما ينتبه إليه…

سيختار له الآخرون ما يفكر فيه.

ومن هنا فإن بناء الوعي لا يبدأ بالسؤال:

ماذا نصدق؟

بل يبدأ بسؤال أسبق منه:

لماذا انتبهنا إلى هذا…

ولم ننتبه إلى غيره؟

إن استعادة السيادة على الانتباه…

هي الخطوة الأولى لاستعادة السيادة على التفكير.

 

لقد اعتدنا أن نتحدث عن الموارد الطبيعية، ثم عن الموارد البشرية، لكن القرن الحادي والعشرين أضاف موردًا جديدًا لا يقل أهمية عنها جميعًا: مورد الانتباه. فمن ينجح في إدارة انتباه المجتمع، يستطيع أن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يحدد ما يغضب له، وما يسكت عنه، وما يراه خطرًا، وما يراه عاديًا. ولذلك لم تعد معركة الموارد تقتصر على الأرض والمياه والمعادن، بل امتدت إلى أغلى مورد يملكه الإنسان… وعيه.

 

#أصل_القضية…

لم يعد أخطر سؤال في زمننا:

من يملك الحقيقة؟

ولا:

من يملك المنبر؟

بل أصبح السؤال:

من يملك انتباه الناس؟

لأن الحقيقة التي لا تجد انتباهًا…

قد تعيش في الهامش.

بينما قد تتصدر رواية هشة المشهد…

فقط لأنها عرفت كيف تخطف النظر قبل أن يبدأ العقل عمله.

ومن منظور الجسر والمورد…

فإن الانتباه لم يعد مجرد حالة نفسية…

بل أصبح موردًا استراتيجيًا.

ومن ينجح في السيطرة على هذا المورد…

لا يربح معركة إعلامية فحسب…

بل قد يعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويؤثر في الأولويات، ويصنع اتجاهات الرأي العام، وربما يغير مسار الدول.

ولهذا…

فإن حماية الوعي السوداني لا تبدأ بحماية الحدود وحدها…

بل بحماية الانتباه.

لأن الانتباه هو البوابة الأولى لكل فكرة…

وكل انحياز…

وكل قرار.

ولهذا فإن السؤال الذي ينتظرنا في لن يكون:

كيف يؤثر الإعلام؟

ولا:

كيف تصنع المنصات الرأي العام؟

بل سؤالًا ربما يكون أكثر خطورة…

كيف تحولت المشاهدة إلى سلطة ؟

‫شاهد أيضًا‬

البطولة الأسوأ

‏منذ اول بطولة لكأس العالم عام 1930 بالأوروغواي وفازت بها ، تعد البطولة الحالية 2026 الأسو…